بأي نفس ستغادر إلى الدار الآخرة؟
درجة الوعي التي تكون عليها في الأرض تعبّر عن مقام النفس الذي وصلتَ إليه خلال رحلتك هنا. فالحياة التي نعيشها على الأرض تحمل معنى أعمق من مرور الأيام وتعاقب الأحداث، لأنها المساحة التي تتشكل فيها النفس من خلال التجارب والاختيارات والمواقف والعلاقات، وكل ما يمر بالإنسان يترك أثرا في داخله ويشارك في تكوين الطريقة التي يرى بها نفسه والحياة والآخرين.
الإنسان يدخل الحياة وهو يحمل استعدادات وطباعا واحتياجات تشكلت فيه منذ بداياته، ثم تأتي التجارب لتكشف له ما يحمله في داخله وتمنحه فرصة لتغييره. فعندما يمر بموقف يثير غضبه، يظهر مستوى قدرته على التعامل مع غضبه، وعندما يدخل علاقة عاطفية تظهر طريقة تعلقه واحتياجه وخوفه من الفقد، وعندما ينجح تظهر علاقته بالقوة والامتلاك ومكانته في نظر نفسه، وعندما يفشل تظهر قدرته على مواجهة ضعفه ومراجعة اختياراته. وفي الخلافات تظهر قدرته على ضبط انفعاله واحترام الآخر، وعندما يمتلك سلطة تظهر حقيقة تعامله مع من هم أضعف منه، وعندما يحصل على المال تظهر علاقته بالأمان والاحتياج والامتلاك، وعندما يمر بالألم تظهر مخاوفه ومعتقداته وطريقة تفسيره لما يحدث له. بهذه الطريقة تصبح الحياة مرآة تكشف للإنسان مقام نفسه، وتمنحه في كل تجربة فرصة للانتقال إلى مقام أكثر وعيا واتزانا.
لهذا يمكن أن ننظر إلى الإنسان من خلال مقام النفس الذي يعيش منه، فالشخص الذي تحكمه الرغبة والخوف والغضب تختلف استجابته للحياة عن الشخص الذي بدأ يراقب نفسه ويراجع دوافعه، وهذا يختلف بدوره عن الشخص الذي أصبح أكثر قدرة على الاختيار والاتزان والسكينة. ويظهر مقام النفس في حياة الإنسان من خلال سلوكه واختياراته وطريقة تعامله مع نفسه ومع الآخرين، وقد يعيش الإنسان مقاما معينا في موقف، ثم يظهر منه مقام آخر في موقف مختلف، لأن النفس في حركة مستمرة من الوعي والمراجعة والاختيار.
وعندما نتأمل كلام الله تعالى في القرآن الكريم عن النفس، نجد أنه يصف لها أحوالا متعددة تكشف جوانب من رحلتها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. وهذه الأوصاف تفتح أمام الإنسان بابا واسعا للتأمل في أحوال النفس ومقاماتها وما يمكن أن تصل إليه خلال رحلتها.
في مقام النفس الأمارة يصبح الدافع الداخلي أقوى من قدرة الإنسان على المراجعة، فيندفع وراء الغضب أو الشهوة أو الانتقام أو حب السيطرة، وقد يعرف أثر ما يفعله ومع ذلك يستسلم لدافعه الداخلي. قد يعرف الإنسان أن كلماته ستجرح شخصا أمامه، ومع ذلك يتفوه بها لأنه يريد أن ينتصر في النقاش، وقد يعرف أن الانتقام سيزيد الألم، ومع ذلك يتمسك به لأنه يريد أن يشعر بأنه استعاد قوته، وقد يحصل على سلطة في مكان عمله فيستخدمها لإذلال الآخرين لأنه يجد في السيطرة إشباعا لذاته. في هذه الحالات تتحرك الاستجابة من الانفعال والرغبة، ويصبح الإنسان تابعا لما يفرضه عليه داخله في لحظة الانفعال.
ومع تكرار التجارب يبدأ الإنسان في رؤية نفسه بصورة أوضح، وهنا يظهر مقام النفس اللوامة، حيث يبدأ في مراجعة أفعاله ودوافعه، ويتوقف بعد الغضب ليسأل نفسه عن سبب انفجاره، ويرى أثر كلماته على شخص آخر، ويشعر بمسؤوليته عما صدر منه، ويكتشف أن بعض قراراته جاءت من خوف قديم أو حاجة إلى إثبات الذات. قد يخطئ الإنسان في حق شخص ثم يجد داخله القدرة على الاعتراف بالخطأ والاعتذار، وقد يلاحظ أنه يغار من نجاح شخص آخر فيبدأ في فهم مصدر هذه الغيرة بدل أن يحولها إلى إساءة لذلك الشخص، وقد يكتشف أن رد فعله القوي تجاه موقف بسيط مرتبط بتجربة قديمة ما زالت تؤثر فيه.
وهذه المرحلة تفتح أمام الإنسان مساحة جديدة من الوعي، لأنه يبدأ في ملاحظة ما يحدث داخله بدل أن يعيش أفعاله بصورة تلقائية. فقد يغضب شخص بشدة من ملاحظة بسيطة في العمل لأن الملاحظة لامست داخله شعورا قديما بعدم الكفاءة، وقد يشعر شخص آخر بالتهديد عندما ينجح من حوله لأن قيمته الذاتية أصبحت مرتبطة بالمقارنة، وقد يجد الإنسان صعوبة في الاعتذار لأن الاعتذار عنده ارتبط في مرحلة سابقة من حياته بالضعف وفقدان المكانة. عندما يرى الإنسان هذه الدوافع يستطيع أن يفهم نفسه بصورة أعمق، وتصبح أمامه مساحة حقيقية للاختيار.
ومن هنا يظهر مقام النفس الملهمة، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. في هذا المقام يكون الإنسان أمام توجيه إلهي يعرّفه اتجاه الخير والشر، وتظهر مسؤوليته في اختياراته وما يترتب عليها من آثار في نفسه وسلوكه. فالغضب قد يدفعه إلى الإيذاء، وقد يكون موقفا يتعلم فيه ضبط انفعاله، والغيرة قد تتحول إلى إساءة للآخر أو تصبح فرصة لفهم ما يحتاج إلى إصلاح في داخله، والظلم الذي يتعرض له قد يوقظ فيه رغبة الانتقام أو يدفعه إلى طلب حقه مع الحفاظ على تقواه. ومع تكرار الاختيارات يتشكل سلوك الإنسان وتتعمق عاداته، ويأخذ مقام النفس اتجاها أكثر رسوخا بحسب ما يختاره ويكرره في حياته.
ومقامات النفس لا تتحرك في خط مستقيم بل تتحرك في مسار حلزوني، فالإنسان قد يتقدم في جانب من حياته ثم يعود في موقف آخر إلى استجابة قديمة، وقد يظن أنه تجاوز الغضب ثم يكشف له موقف جديد طبقة أعمق منه، وقد يتعلم التعامل مع الخوف في جانب من حياته ثم يظهر له خوف آخر في جانب مختلف. وقد ينجح في اختيار التقوى في موقف ثم يجد نفسه أمام اختبار آخر يحتاج فيه إلى اختيار جديد. هذه العودة لا تعني أن الرحلة توقفت، وإنما تمنح الإنسان فرصة جديدة لرؤية نفسه وفهم ما بقي فيها والعمل عليه، ولذلك قد يمر بالمقام نفسه أكثر من مرة، وفي كل مرة يستطيع أن يراه من مستوى أعمق من الوعي.
فالإنسان قد يكون هادئا ومتزنا في عمله، ثم يجد نفسه شديد الانفعال داخل أسرته، وقد يكون قادرا على التسامح مع شخص غريب بينما يجد صعوبة في التسامح مع شخص قريب منه، وقد يتعامل مع المال بوعي في مرحلة من حياته ثم يعود إلى الخوف والتعلق عندما يمر بظرف مختلف. هذه الاختلافات تكشف أن النفس تحمل طبقات متعددة، وأن الوعي يتوسع كلما استطاع الإنسان أن يرى نفسه في المواقف التي كانت تحركه سابقا دون وعي.
ومع استمرار الإنسان في المراجعة والاختيار والتزكية، يمكن أن يصل إلى مقام النفس المطمئنة، حيث تصبح النفس أكثر سكينة واتزانا ورضا، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على التعامل مع الحياة دون أن تقوده كل رغبة أو مخافة أو انفعال. تظهر الطمأنينة في طريقة الإنسان عندما يملك وعندما يفقد، عندما ينجح وعندما يتعثر، عندما يختلف وعندما يُساء إليه، وفي قدرته على أن يحافظ على قيمه حتى عندما تكون أمامه فرصة للانتقام أو الاستعلاء.
فالإنسان الذي يصل إلى هذا القدر من الاتزان يستطيع أن يفرح بنجاحه دون أن يحتاج إلى التقليل من الآخرين، ويستطيع أن يستخدم قوته في حماية من يحتاج إليه، ويستطيع أن يمتلك المال دون أن يجعل المال معيار قيمته، ويستطيع أن يختلف مع شخص دون أن يحوله إلى عدو، ويستطيع أن يعترف بخطئه دون أن يشعر أن الاعتراف ينتقص من مكانته. وتصبح علاقته بنفسه أكثر صدقا، وعلاقته بالآخرين أكثر احتراما، وعلاقته بما يملك أكثر اتزانا.
ومن هنا تأتي الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
فالآية تضع أمام الإنسان سؤالا عن الطريقة التي يعيش بها في الأرض، وعن علاقته بالعلو والفساد، وعن اختياراته عندما يمتلك القدرة على الفعل. قد يمتلك الإنسان المعرفة ويستخدمها لإثبات تفوقه على الآخرين، وقد يمتلك المال فيجعله وسيلة للسيطرة، وقد يمتلك المنصب فيرى نفسه أعلى من الناس، وقد يمتلك القوة فيستخدمها لإخضاع من حوله، وقد يمتلك القدرة على التأثير في الآخرين فيستعملها لمصلحته. ويمكن للإنسان أن يحمل هذه الأشياء نفسها من مقام مختلف، فيجعل المعرفة وسيلة للنفع، والمال وسيلة للبناء، والمنصب مسؤولية، والقوة حماية، والتأثير أمانة.
وهنا يظهر معنى الارتقاء في النفس، فالارتقاء الحقيقي يظهر في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع ما أُعطي من قوة ومعرفة ومال ومكانة، وفي الطريقة التي يتعامل بها مع من يختلف عنه أو يقل عنه في القوة والمكانة. أن ترتفع في وعيك يعني أن تتسع رؤيتك لنفسك وللآخرين، وأن يصبح نجاحك أكثر ارتباطا بما تبنيه في داخلك وبالأثر الذي تتركه في حياتك وحياة من حولك.
الحياة تمنح الإنسان مواقف كثيرة يستطيع من خلالها أن يعرف مقام نفسه. عندما يستفزه أحد، يظهر له مستوى قدرته على التعامل مع غضبه. عندما ينجح شخص قريب منه، تظهر علاقته بالمقارنة والغيرة. عندما يتعرض للظلم، يظهر مستوى تعامله مع الانتقام والحق. عندما يحصل على سلطة، يظهر مستوى تعامله مع من هم أضعف منه. وعندما يخطئ، تظهر قدرته على الاعتراف والمراجعة والتغيير. كل موقف يحمل فرصة جديدة لرؤية النفس، وكل اختيار يمنحها اتجاها جديدا.
لهذا تصبح رحلة الحياة رحلة بناء داخلي، لأن الإنسان يصنع نفسه من خلال اختياراته المتكررة، ويشكل مقام نفسه من خلال الطريقة التي يستجيب بها لما يمر به. وقد يحتاج الإنسان إلى سنوات حتى يفهم سبب غضبه، أو سبب تعلقه، أو سبب خوفه من الفقد، أو سبب حاجته المستمرة إلى إثبات ذاته، لكن مجرد رؤية هذه الأشياء بصدق تفتح أمامه باب التغيير، لأن ما نراه في أنفسنا نستطيع أن نعمل عليه.
وفي نهاية الرحلة يبقى السؤال الأعمق: بأي نفس ستغادر إلى الدار الآخرة؟
