بين التبصّر والغيب… من أين يبدأ الوعي؟

إذا كان الله تعالى يريد منا أن نتذكّر، وأن نبصر ما أذن لنا أن نبصره من آياته، فإن التذكّر والتبصّر يدخلان في صميم رحلة الإنسان نحو الوعي.

يقول تعالى في سورة القصص - الآية: 72 ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
النهار والليل ظاهرتان يراهما الإنسان باستمرار، ومع ذلك يلفت القرآن نظره إليهما بقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
الرؤية هنا تفتح بابا إلى الإدراك. فالإنسان قد يرى الشيء بعينيه، ثم تأتي لحظة يدرك فيها معناه ودلالته. وقد يكون الأمر حاضرا أمامه منذ سنوات، بينما يظل معناه غائبا عن وعيه حتى تتسع قدرته على رؤيته.

ويقول تعالى في سورة الذاريات - الآية: 21 ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
حتى الإنسان نفسه يصبح مجالا للتبصّر.
في نفسه آيات، وفي وجوده أسرار، وفي تجربته معان قد تتكشف له مع مرور الوقت واتساع إدراكه.
وهنا يمكن أن نفهم الوعي بوصفه انكشافا لما كان مستورا عن إدراك الإنسان. فالشيء قد يكون موجودا، والمعنى قد يكون قائما، والحقيقة قد تكون أمام الإنسان، ثم يصل في لحظة معينة إلى إدراكها. الذي تغيّر هو وعيه بها.
ولهذا يأتي التذكّر كجزء من هذه الرحلة. يقول تعالى:﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾
ويقول:﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
التذكّر يعيد إلى الإنسان معنى غاب عنه، والتبصّر يجعله يرى ما كان يمر أمامه دون أن يدرك دلالته، والتفكر يساعده على الربط بين الأشياء واكتشاف المعاني التي لم تكن واضحة له.
ومن هنا نصل إلى مفهوم الغيب.
قال الله تعالى في سورة النمل - الآية: 65 ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
علم الغيب عند الله تعالى، فهو سبحانه عالم الغيب والشهادة، يعلم ما ظهر وما خفي، وما كان وما يكون، وما لا يحيط الإنسان بعلمه.
ومع ذلك، يقول سبحانه في سورة الجن - الآيات: [26-27] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ﴾
إذن هناك فرق بين علم الله بالغيب وبين أن يُظهر الله شيئا من الغيب لمن ارتضى من رسله.
وهذا الفرق مهم في فهم معنى الانكشاف. فالإنسان قد يكتشف أمرا كان مجهولا بالنسبة إليه، وقد ينكشف له معنى كان مستورا عن وعيه، وقد يُفتح له باب من الإدراك لم يكن مفتوحا له من قبل. معرفة الإنسان بشيء كان يجهله لا تعني أنه أصبح عالما بالغيب؛ لأن علم الغيب الشامل لله وحده.

وفي الغيب أمورا قد يكون انكشافها للإنسان مؤذيا له. هناك حقائق لو عرفها الإنسان قبل أوانها، أو عرفها بطريقة لا يحتملها، فقد تؤثر في نفسه، وتربك حياته، وتغيّر قراراته، وربما تحمله معرفة لا يملك القدرة على التعامل معها. ولهذا فإن حجب بعض الأمور عن الإنسان قد يكون رحمة به.

فالإنسان لا يحتاج إلى معرفة كل شيء حتى يكتمل وعيه. يحتاج إلى أن يرى ما أذن الله له برؤيته، وأن يتذكر ما غاب عنه، وأن يتبصر في نفسه وفي الآيات من حوله، وأن يتعامل مع ما ينكشف له بقدر ما يستطيع أن يحمله ويفهمه.
وقد يكون بعض ما نجهله حماية لنا، وبعض ما ينكشف لنا مسؤولية علينا.

ومن هنا تصبح رحلة الوعي رحلة متدرجة. كلما اتسع إدراك الإنسان، رأى في الأشياء معاني لم يكن يراها، وتذكر أمورا غابت عنه، وربط بين إشارات كانت تبدو له منفصلة، وانكشف له من الحقيقة ما أذن الله له أن يدركه.
ويبقى الغيب في علم الله.

نحن نعيش في مساحة من المعرفة والإدراك فتح الله لنا أبوابها، ومساحة أخرى لا نحيط بها علما. وبين المساحتين تتشكل رحلة الإنسان في هذه الحياة: يتعلم، ويتذكر، ويتبصر، ويتفكر، وينكشف له من المعاني بقدر ما أذن الله له. ولهذا جاء الخطاب القرآني متكررا:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾
﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
إنها دعوة إلى استعمال ما وهب الله للإنسان من قدرة على الإدراك.
فالوعي يبدأ حين يرى الإنسان ما كان أمامه ولم يكن يراه، ويتذكر ما غاب عنه، ويتبصر فيما حوله وفي نفسه، ويدرك أن وراء كل انكشاف حدودا رسمها الله له، وأن ما خفي عنه قد يكون في خفائه حكمة ورحمة.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

عربة التسوق
Scroll to Top