من أين يبدأ كيد إبليس؟

الخير... حصن الإنسان من براثن إبليس

قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16]
تكشف هذه الآية حقيقة عظيمة في الصراع بين الإنسان وإبليس. فإبليس لم يقل أنه سيقعد للناس في طريق المعصية، بل قال: ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أي طريق الله، طريق الخير والهداية.
وهذا يدل على أن أول أهدافه ليس أن يدفع الإنسان مباشرة إلى الشر، وإنما أن يبعده عن الخير، لأن الخير يقرب الإنسان من الله تعالى، ويزيده بصيرة، ويضعف كيد الشيطان عليه. ولهذا جعل الله تعالى النجاة منه في اتباع هديه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42]

أول مدخل في قصة الإنسان:
عندما نتأمل قصة آدم عليه السلام نجد أن أول وسوسة كانت متعلقة بالأكل، قال الله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ ۝ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا...﴾ [طه: 120-121]
ومن خلال هذا التسلسل يمكن أن نتأمل أن القصة تشير إلى مدخلين بارزين في حياة الإنسان: شهوة البطن، والشهوة الجنسية.
وليس المقصود حصر جميع مداخل الشيطان فيهما، وإنما لفت الانتباه إلى أنهما من أعظم الأبواب التي يحتاج الإنسان إلى ضبطها.

لماذا بدأ بالطعام؟
لأن الطعام ليس مجرد وسيلة لإشباع الجوع، بل هو أساس بناء الجسد الذي يحمل العقل، والعقل هو أداة التكليف التي ميز الله تعالى بها الإنسان. ولهذا لم يترك الله تعالى الإنسان يأكل بلا ضوابط، بل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 168]
ومن اللافت أن الله تعالى جمع في آية واحدة بين الأمر بالأكل من الحلال الطيب، والنهي عن اتباع خطوات الشيطان، وكأن في ذلك إشارة إلى أن الطعام ليس أمرا هامشيا في حياة الإنسان، بل هو جزء من المنهج الذي أراده الله تعالى لعباده.

بين الفطرة والواقع:
لقد وضع الله تعالى ضوابط واضحة للعلاقة الجنسية، وبيّن ما يحل منها وما يحرم، كما وضع ضوابط للطعام، فأمر بالحلال الطيب، ونهى عن الخبيث والإسراف.
ومع تطور الحياة، أصبحت صناعة الغذاء من أكبر الصناعات في العالم، وكثرت المنتجات المصنعة، والإضافات الكيميائية، والإعلانات التي تؤثر في اختيارات الناس.
ومن هنا تبرز أهمية أن يعود الإنسان إلى ميزان القرآن الكريم، فيسأل نفسه: هل ما أتناوله ينسجم مع مفهوم الطيبات الذي أمر الله تعالى به؟ أم أنني أصبحت أستهلك كل ما يُعرض عليّ دون وعي أو تفكر؟

عناية الله تعالى بعباده:
من رحمة الله تعالى أنه لا يترك الناس إذا ابتعدوا عن الفطرة، بل يهيئ في كل زمان من يذكّرهم بالحق، ويدعوهم إلى مراجعة مفاهيمهم والعودة إلى ما ينفعهم.
وفي عصرنا لفت الدكتور ضياء الدين العوضي انتباه كثير من الناس إلى أهمية إعادة النظر في مفاهيم الغذاء والصحة، وربط ذلك بمفهوم الطيبات الذي جاء في القرآن الكريم. وقد دفعت اجتهاداته عددا كبيرا من الناس إلى مراجعة عاداتهم الغذائية والبحث عن غذاء أقرب إلى الفطرة.
ومن الإنصاف أن نذكر فضل الدكتور ضياء الدين العوضي، فهو طبيب واستشاري في طب الرعاية المركزة، وله مسيرة علمية طويلة امتدت لأكثر من عشرين عاما، إلى جانب إسهاماته البحثية والأكاديمية. وقد قدّم اجتهادا يقوم على بروتوكول استشفائي يعيد النظر في أثر الغذاء على صحة الإنسان، منطلقا من فكرة العودة إلى الفطرة والابتعاد عما يضر الجسم. وقد دفع هذا الطرح عددا كبيرا من الناس إلى إعادة النظر في عاداتهم الغذائية والبحث عن نمط أقرب إلى مفهوم الطيبات الذي جاء به القرآن الكريم.
ويبقى الميزان الذي نزن به كل اجتهاد هو كتاب الله تعالى، وما ثبت من الحق والعلم، لأن الأشخاص يجتهدون ويصيبون ويخطئون، أما كلام الله تعالى فهو الهدى الذي لا يأتيه الباطل.

القرآن مفتاح الوعي:
إن المشكلة ليست في أن القرآن موجود بين أيدينا، وإنما في طريقة تعاملنا معه. فقد يقرأ الإنسان القرآن، ويحفظه، وربما يفسره، لكنه لا يحول آياته إلى منهج حياة. لقد أراد الله تعالى من الإنسان أن يتدبر، وأن يعقل، وأن يعمل، لا أن يكتفي بالحفظ أو التلاوة.
لذلك جعل الله تعالى الإنسان مسؤولا عن عقله، ولذلك يخاطبه دائما بألفاظ مثل: 
أفلا تعقلون
أفلا يتدبرون
لقوم يتفكرون
لأولي الألباب
وكأن القرآن لا يريد من الإنسان أن يحفظ فقط، بل أن يفعّل عقله.
وهنا يمكن أن نطرح فكرة عميقة جدا: إبليس لا يخاف من الإنسان الذي يحفظ القرآن فقط، وإنما يخاف من الإنسان الذي أصبح القرآن طريقة تفكيره.

فالآية التي لا تغير سلوك الإنسان تبقى معلومة، أما الآية التي تتحول إلى قرار وعادة وأخلاق، فهي التي تبني الوعي. ولهذا قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14].
فالإنسان مطالب بأن يراقب نفسه، ويحاسبها، ويلاحظ من أين يدخل إليه الشيطان، حتى يغلق تلك الأبواب قبل أن تتحول الوسوسة إلى عادة، والعادة إلى مصير.

خلاصة:
الوعي يبدأ عندما يراقب الإنسان نفسه، ويتأمل مداخل الضعف فيها، ثم يجعل كتاب الله تعالى مرشده في كل قرار، وفي كل اختيار، وفي كل عادة.
فالخير ليس مجرد أعمال صالحة، بل هو حصن يحمي الإنسان من كيد إبليس، وكلما ازداد الإنسان قربا من الخير، ازداد نورا وبصيرة، وضعف كيد الشيطان عليه.
إن القرآن الكريم ليس كتابا يُقرأ فحسب، بل هو منهج حياة، ومفتاح للوعي، ومن تمسك به، وعمل بما فيه، فقد أخذ بأعظم أسباب النجاة التي جعلها الله تعالى لعباده.

Shopping Cart
Scroll to Top